السيد كمال الحيدري

300

المعاد روية قرآنية

وحقيقة الأنهار في الجنّة لا شكّ بأنّها تختلف عن المياه الموجودة عندنا في الدُّنيا والمركّبة من عنصرى الأوكسجين والهيدروجين ، والقضيّة هي مجرّد تمثيل باعتبار أنّ بعض الحقائق الأخرويّة لا يمكن للإنسان أن يتعقّلها إلّا عند الدخول في تلك النشأة ، وفى هذه النشأة لا يمكن الوقوف عليها إلّا من خلال ما نقف عليه من محسوساتنا ومشروباتنا ومأكولاتنا . قال تعالى : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ . . . ( محمّد : 15 ) . ولا إشكال في حقيقة الماء غير الآسن والأنهار التي من اللبن والعسل ، ولكن القضيّة هي في مثل قوله تعالى : وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ( محمّد : 15 ) . فالخمر في الآخرة لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ، أمّا حكمه في الدُّنيا فهو كما قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ( المائدة : 90 ) . وبالعودة إلى الخمر في الآخرة فإنّه تعالى يصف لذّة المؤمنين بشربه بقوله تعالى : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ ( الواقعة : 19 17 ) . والمفسِّرون قالوا في تفسير قوله تعالى : مِنْ مَعِينٍ أنّ المراد بذلك هو « الخمر المعين » . وبحسب الظاهر فإنّ ما تمتلئ به الكؤوس هو « الخمر » الظاهر للبصر ، ولكنّ الآية بيّنت أنّ هذا الخمر ليست أوصافه هي نفسها أوصاف الخمر الدنيوي ، فقد قال تعالى : لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ أي لا يأخذهم صداع بسبب الخمر كما يحصل ذلك من الخمر الدنيوي ، ولا يزول عقلهم بالسُّكر الحاصل منها ، ولذا قالت الآية لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ . والخمر الدنيوي لا يمكن